هل استقر رأسه لأسفل أم ما زال يتقلب؟ 

لم يتوقف صغيرك عن الحركة والدوران منذ شعرتِ بأولى ركلاته، فقد تهدأ حركته قليلًا أثناء نومه، لكنها سرعان ما تعود لتطمئن قلبك وتشعركِ بوجوده، ومع دخولك الثلث الأخير، تبدأ وضعيات الجنين في الاستقرار تدريجيًا حتى يصل إلى وضع الولادة المثالي، حيث يكون رأسه لأسفل وساقاه لأعلى.

لكن متى يحدث ذلك بالتحديد؟ وهل من الطبيعي ألا يكون جنينك قد اتخذ هذه الوضعية بعد؟ سنتعرف معًا في هذا المقال على وضع الجنين في الأسبوع الثامن والعشرين وكيف تتطور حركته، وأبرز العوامل التي تساعده على اتخاذ الوضعية المناسبة، وكيف يمكن للطبيب تحديدها ومتى يتدخل إذا لم تتغير حتى الوقت المتوقع.

تطور الجنين ووضعه داخل الرحم

يزن الجنين في الأسبوع الثامن والعشرين حوالي 1.2 كيلوجرام، بينما يبلغ طوله من الرأس إلى الأرداف نحو 25 سنتيمترًا، ويستمر نمو وتطور دماغ الجنين، كما تتكون طبقات إضافية من الدهون تحت الجلد، لتساعده على تنظيم درجة حرارته بعد الولادة.

يركز الطبيب أثناء فحص السونار في هذا الأسبوع على وضعية الجنين، وما إذا كانت رأسية أم ما زال بمقعدته أو يستلقي بشكل عرضي، ويجب العلم أن كثيرًا من الأجنة لا تتخذ الوضع المثالي في هذا التوقيت، وقد تستمر بالتحرك والتغير خلال الأسابيع القادمة.

وضعيات الجنين

يمكن أن يتخذ الجنين العديد من الوضعيات، ولكن مع اقتراب الولادة تكون بعض الوضعيات أفضل من البعض الآخر لتساعد على نزول الجنين بسهولة.

الوضعية الرأسية

تسمى بوضعية الولادة حيث يكون الرأس إلى الأسفل، وظهر الجنين مواجهًا لظهر الأم في كثير من الحالات، مما يسهل مرور الجنين في قناة الولادة؛ لذلك تعد هذه الوضعية هي الوضعية المثلى.

قد يتخذ الجنين تلك الوضعية بداية من الأسبوع الـ 28 وقد يتأخر الأمر قليلًا للأسابيع التالية، بل قد يكون الجنين في وضعية معينة ويغيرها في لحظات الولادة الأخيرة إلى وضعية رأسية.

وضعية المقعدة

يكون الجزء السفلي من جسم الجنين (المقعدة أو القدمين) متجهًا إلى فتحة الحوض، بينما يكون الرأس لأعلى، قد تضطر الأم إلى الولادة القيصرية إذا استمر الجنين في هذا الوضع حتى وقت الولادة

الوضعية المستعرضة أو المائلة

يكون الجنين مائلاً أو مستلقيًا عرضيًا داخل الرحم، والجزء السفلي موجّه بعيدًا عن الحوض.

تُعد هذه الوضعيات غير مثالية للولادة الطبيعية، وغالبًا ما تحتاج إلى متابعة دقيقة من الطبيب.

متى يُستقر الجنين في وضع الولادة النهائي؟

من المتوقع غالبًا استقرار الجنين في الوضعية الرأسية ما بين الأسبوع الـ 32 و36 من الحمل، ولا تُعد وضعية الجنين قبل هذا الوقت مؤشرًا نهائيًا على وضع الولادة.

تشير بعض التقارير إلى انخفاض نسبة الأجنة في وضع المقعدة أو المستعرض كلما اقترب موعد الولادة.

كيف يحدد الطبيب وضعية الجنين؟

يستطيع الطبيب تحديد وضعية الجنين بالطرق التالية:

  • الفحص اليدوي (Leopold Maneuvers): يُجري الفحص بلمس البطن في عدة مناطق لتحديد مكان الرأس والظهر والمقعدة.
  • السونار العادي (Ultrasound Scan): يستخدم لتأكيد الوضعية بدقة، إذ يمكنه توضيح الحوض والعمود الفقري والرأس

يدمج الطبيب عادةً الفحص اليدوي والموجات فوق الصوتية لتأكيد الوضعية الحقيقية، وفي بعض الحالات قد يستخدم اختبارات إضافية إذا كان هناك التباسًا في تقييم الوضع كما يلي:

  • التصوير بالموجات فوق الصوتية ثلاثية أو رباعية الأبعاد: يمنح رؤية أوضح لحركة الجنين واتجاهاته داخل الرحم.
  • تخطيط نبضات قلب الجنين (Non-Stress Test): لا يُستخدم لتحديد وضعية الجنين بشكل مباشر، لكنه يُجرى أحيانًا أثناء الفحص للتأكد من سلامة الجنين أثناء الحركة أو بعد تغيّر وضعه.
  • فحص الحوض الداخلي (Pelvic Exam): يُستخدم عادة في أواخر الحمل أو أثناء المخاض لتأكيد وضع الجنين عند عنق الرحم وتقدير مدى نزول الرأس في الحوض.
  • التصوير بالرنين المغناطيسي للجنين: يستخدم في الحالات النادرة عند وجود مشكلات تشريحية أو سمنة أو التباس يحول دون تحديد الوضعية، ويعطي صورة دقيقة دون تعريض الجنين للإشعاع.

تساعد هذه الفحوصات على تأكيد الوضعية النهائية للجنين، وتحديد ما إذا كانت طبيعية أم تتطلب تدخلًا أو متابعة خاصة في الأسابيع القادمة.

هل يمكن أن يتغير وضع الجنين بعد الأسبوع الـ 28؟

نعم، يظل الجنين قادرًا على تغيير وضعيته، كلما كانت لديه مساحة كافية للحركة داخل الرحم، ولكن تقل المساحة المتاحة للحركة مع تقدم الحمل، وتقل فرص التغيير.
وكما ذكرنا سابقًا، قد تنقلب بعض الأجنة في حالات قليلة وتغير وضعيتها حتى في الأسابيع الأخيرة، ولكنه أقل احتمالًا مع اقتراب موعد الولادة.

هل يمكن مساعدة الجنين على الاستقرار في الوضعية الصحيحة؟

نعم، هناك بعض الاستراتيجيات التي قد تحفز استقرار الجنين في وضع رأسي، ورغم أن فعاليتها ليست مؤكدة، إلا أنها تظل فعالة في كثير من الحالات، ومنها:

  • وضعيات الأم
  • الجلوس منحنية للأمام باعتدال أو الجلوس على كرة التمرين.
  • ممارسة تمرين الميل الحوضي أو الانحناء الأمامي الخفيف.
  • النشاط البدني للأم

يمكن أن يساعد المشي الخفيف أو الانتظام بالحركة على تغيير وضعية الجنين، مع تجنب الجلوس الطويل ورفع القدمين باستمرار.

  • التدوير الخارجي

كيف يتم التدوير الخارجي للجنين؟

المناورة الخارجية أو التدوير الخارجي هو إجراء طبي يحاول فيه الطبيب توجيه الجنين برفق للانتقال إلى الوضع الرأسي استعدادًا للولادة الطبيعية، وذلك بتحريكه من الخارج خلال بطن الأم باستخدام يديه.

يجرى التدوير الخارجي في الأسابيع الأخيرة إذا استمر الجنين في الوضع المقعدي، غالبًا في الأسبوع الـ 36 أو بعد، وليس مبكرًا.

يجب أن تتوافر الظروف الملائمة قبل اللجوء إلى الإجراء اليدوي، مثل:

  • مراقبة نبض الجنين جيدًا أثناء وبعد الإجراء.
  • وجود خبرة طبية.
  • توفير أماكن مجهزة للتدخل السريع في حال حدوث مضاعفات، مثل غرفة ولادة أو إجراء قيصرية طارئة.

بينت الدراسات أن التدوير اليدوي يساعد على تغيير الوضع في نحو 50% تقريبًا من الحالات عند اقتراب المخاض.

وأشارت بعض الدراسات إلى أنه نادرًا ما تحدث مخاطر كبيرة أثناء الإجراء، لكن لا تزال المراقبة الدقيقة أثناء الإجراء ضرورية، ومن المضاعفات النادرة المحتملة ما يلي:

  • تحفيز انقباضات الرحم المبكرة (الطلق المبكر).
  • تغيّر نبض الجنين.
  • تعرض الأم للنزف.

متى يجب الشعور بالقلق وطلب التدخل الطبي؟

لا يشكل وجود الجنين خلال الأسبوع الـ 28 في وضعية غير رأسية خطرًا، بينما يجب الانتباه في الحالات التالية:

  • إذا استمر الجنين في وضع غير رأسي مع اقتراب موعد الولادة.
  • إذا كانت وضعية الجنين غير طبيعية وتشكل خطرًا على صحة الأم أو الجنين كما في بعض الحالات، مثل ضعف السائل الأمنيوسي أو وجود مشاكل في المشيمة.

كيف تؤثر وضعية الجنين على الأم؟

إذا كان الجنين في وضعية رأسية، قد تشعر الأم باقتراب الحركات القوية من قاع البطن أو الحوض، بينما في الوضع المقعدي أو المستعرض، قد تشعر بالحركة في مناطق مختلفة أعلى البطن أو على جانبي البطن.

يمكن أن تؤثر الوضعية أيضًا تنفس الأم، فإذا كان الرأس لأعلى فإنه يسبب ضغطًا زائدًا على الحجاب الحاجز ويؤثر على التنفس.

كذلك يظهر تأثير وضعية الجنين على الأعصاب (كالعصب الوركي)، إذ تسبب بعض الوضعيات ضغطًا على الأعصاب؛ مما يزيد آلام الظهر أو الساقين.

نصائح هامة للأسبوع الـ 28

  • لا تشغلي بالك كثيرًا بالوضع المثالي الآن، فلدى طفلك المزيد من الوقت ليغير وضعه.
  • تابعي وضع الجنين بانتظام مع طبيبكِ من خلال فحص السونار، وناقشي معه أي تغير تلاحظينه.
  • احرصي على اتباع عادات صحية وتجنبي الجلوس لفترات طويلة، مع الاهتمام بوضعيات جلوس مريحة.
  • ناقشي الخيارات المتاحة مع طبيبكِ إذا استمرت الوضعية غير المثالية في الأسابيع النهائية، فقد ينصحك بإجراء التدوير الخارجي أو يقرر نوع الولادة المناسب.
  • نامي على الجانب الأيسر قدر الإمكان، لتحسين تدفق الدم للرحم والمشيمة، كما أنها قد تساعد الجنين على اتخاذ الوضعية المثالية.

ختامًا: تعد وضعية الجنين المحدد الرئيسي لنوع الولادة، طبيعية كانت أو قيصرية، ولكن قد يكون هذا الأمر مبكرًا كثيرًا في الاسبوع الـ 28؛ فمن الممكن أن تتغير الوضعية خلال الفترة بين الأسبوع الـ 28 و36، لذا ركزي على دعم صحتك وتغذيتك في تلك المرحلة وتابعي وضع الجنين باستمرار، وناقشي معه الخيارات المتاحة بهدوء ووعي.