اختبار تحمل الجلوكوز.. خطوة وقائية لحماية الأم والجنين 

تخضع الحامل للعديد من الفحوصات الروتينية على مدار رحلة الحمل؛ للتأكد من سلامة الجنين وسير الحمل بشكلٍ طبيعي، ويعد اختبار تحمل الجلوكوز من أهم الفحوصات الموصى بها في الأسبوع الرابع والعشرين، وهو اختبار وقائي للكشف المبكر عن سكري الحمل، الذي يعد أحد أكثر المضاعفات الصحية شيوعًا في فترة الحمل.

قد لا تشعر الحامل بأية أعراض واضحة تشير إلى ارتفاع مستوى السكر في الدم، لذلك فإن إجراء هذا الفحص ضروري جدًا، فالكشف المبكر لا يضمن سلامة الأم وحسب، بل يسهم أيضًا في حماية الجنين من مضاعفات قد تمتد لبعد الولادة.

لماذا يظهر سكري الحمل في هذه المرحلة؟

يحتاج الجنين أثناء الحمل إلى كمية كافية من الجلوكوز في الدم لينمو بشكل طبيعي، ولهذا يقل تأثير هرمون الإنسولين مؤقتًا، وهو ما يعرف بمقاومة الإنسولين.

ففي الوضع الطبيعي، يساعد الإنسولين على إدخال الجلوكوز إلى خلايا الجسم لاستخدامه في إنتاج الطاقة، بينما يقل مفعول الإنسولين قليلًا أثناء الحمل حتى يظل جزء من الجلوكوز في الدم لتغذية الجنين.

إذا لم يتمكن البنكرياس من إنتاج كميات إضافية كافية من الإنسولين لتعويض هذا النقص، يرتفع مستوى السكر في الدم، وتصاب الأم بسكري الحمل.

كذلك تزداد مستويات بعض الهرمونات التي تفرزها المشيمة في النصف الثاني من الحمل، مما يقلل من فعالية الإنسولين بالجسم، وبالتالي يصعب دخول الجلوكوز إلى الخلايا؛ وترتفع معدلاته بالدم.

تصل مقاومة الإنسولين إلى أعلى مستوياتها ما بين الأسبوعين 24 و28؛ ما يجعل هذه الفترة الأنسب للكشف المبكر عن سكري الحمل، وبالتالي التدخل مبكرًا لحماية الأم والجنين.

لماذا يجرى اختبار تحمل الجلوكوز في الأسبوع 24 بالتحديد؟

تخضع معظم الحوامل لاختبار تحمل الجلوكوز الروتيني بين الأسبوعين 24 و28، وقد يُطلب من بعض الحوامل إجراء فحص السكر في وقت أبكر من الحمل (خاصةً في وجود عوامل خطر مثل السمنة أو تاريخ عائلي للسكري).

ويرجع اختيار هذا التوقيت إلى تزايد مقاومة الجسم للإنسولين في هذه المرحلة، وبالتالي يُظهر الفحص مدى قدرة جسم الأم على التعامل مع هذه الزيادة.

يساعد الكشف المبكر عن سكري الحمل في الأسبوع الـ 24 على التدخل السريع؛ إما بتعديل نمط الحياة أو بوضع خطة علاجية مناسبة، وبالتالي تقليل خطر إصابة الأم أو الجنين بالمضاعفات.

كيف يتم اختبار تحمل الجلوكوز؟

يُجرى الاختبار في عيادة الطبيب أو المختبر، ويتكون عادةً من مرحلتين أساسيتين:

الفحص المبدئي (اختبار الساعة الواحدة)

لا يشترط هذا الفحص صيام الحامل، وتتناول الحامل مشروبًا يحتوي على 50 جرامًا من الجلوكوز، ويتم سحب عينة دم لقياس مستوى السكر بعد مرور ساعة من تناول المشروب.

إذا أشارت النتائج إلى ارتفاع السكر بالدم عن الحد الطبيعي، فهذا لا يعني إصابتها بالسكري بشكل مؤكد، لذا تخضع الحامل للمرحلة الثانية من الاختبار لتأكيد أو استبعاد الإصابة.

الاختبار التشخيصي (اختبار الثلاث ساعات)

يتطلب هذا الاختبار صيام الحامل لمدة 8 ساعات، ثم يُقاس مستوى السكر بعد الصيام.

تشرب الحامل بعد ذلك محلولًا يحتوي على 100 جرام من الجلوكوز، وتؤخذ عينات من الدم على مدى ثلاث ساعات (مرة كل ساعة) لمراقبة كيفية تعامل الجسم مع السكر.

إذا تجاوزت القراءات القيم المرجعية المحددة في اختبارين على الأقل، يتم تشخيص الحامل بأنها مصابة سكري الحمل.

لا يستغرق هذا الفحص وقتًا طويلًا، لكنه يلعب دورًا كبيرًا في حماية صحة الأم والجنين خلال أشهر الحمل القادمة.

ماذا يحدث إذا كانت النتائج إيجابية؟

إذا تبين إصابة الأم بسكري الحمل، يوصي الطبيب عادةً بخطة علاجية متكاملة تتضمن التالي:

تعديل النظام الغذائي

يركز على تنظيم مواعيد الوجبات ونوعيتها وليس حرمان الحامل من الطعام، ويُنصح عادةً بتناول الكربوهيدرات المعقدة مثل الحبوب الكاملة والخضروات والفواكه بكميات معتدلة، مع تقليل السكريات البسيطة والحلويات المصنعة.

النشاط البدني المنتظم

يمكن أن تساعد التمارين الخفيفة مثل المشي أو يوجا الحامل على استخدام السكر بشكل أفضل وخفض مستوياته بالدم، ولكن يفضل استشارة الطبيب قبل بدء أي نشاط بدني.

العلاج الدوائي

قد يوصي الطبيب باستخدام الأنسولين إذا لم تكن تغيرات نمط الحياة كافية للسيطرة على مستوى السكر بالدم، ويمكن استخدام الأنسولين بأمان أثناء الحمل، ولكن نادرًا ما يلجأ الطبيب إلى الأدوية الفموية.

هل يمكن الوقاية من سكري الحمل؟

لا يمكن منع الإصابة بسكري الحمل بشكل تام، خاصةً عند وجود عوامل خطر لا يمكن التحكم بها مثل التاريخ العائلي للسكري.

بينما يمكن تقليل احتمالية حدوثه من خلال اتباع عادات صحية لدعم الجسم أثناء الحمل، مثل:

  • الحفاظ على وزن صحي قبل الحمل وخلاله.
  • الالتزام بنظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية المفيدة.
  • ممارسة نشاط بدني خفيف بانتظام.
  • المتابعة المنتظمة مع الطبيب وعدم إهمال الفحوصات الروتينية.

تأثير سكري الحمل على الجنين

لا يشكل سكري الحمل خطرًا إذا تم تشخيصه والتعامل معه مبكرًا، بينما قد يؤدي إهمال أو تأخير علاجه إلى ظهور بعض المضاعفات، مثل:

  • زيادة وزن الجنين بشكل ملحوظ (العملقة الجنينية)، وزيادة احتمالية الولادة القيصرية.
  • صعوبة في الولادة الطبيعية.
  • انخفاض سكر الدم عند الطفل بعد الولادة.
  • زيادة خطر مشاكل التنفس.
  • زيادة احتمال الولادة المبكرة.
  • ضرورة متابعة الطفل بشكل مكثف بعد الولادة.

كذلك قد يؤدي سكري الحمل إلى زيادة خطر إصابة الأم بتسمم الحمل، لذلك فالتدخل المبكر ضروري لضمان حمل آمن ومستقر، ودعم صحة الأم والجنين.

أهمية المتابعة بعد الولادة

يُنصح بإجراء اختبار سكر الدم للأم بعد مرور 6 إلى 12 أسبوعًا من الولادة؛ إذ قد تتطور الحالة لدى بعض النساء إلى الإصابة بالنوع الثاني من السكري، كما يُفضل إجراء فحص دوري لسكر الدم كل عامين تقريبًا.

يساعد الاهتمام بهذه الخطوة على الاكتشاف المبكر لأي تغيرات مستقبلية، كما يسهم في الحفاظ على صحة الأم على المدى الطويل.

في الختام: إجراء اختبار تحمل الجلوكوز في الأسبوع 24 من الحمل ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو خطوة وقائية للكشف المبكر عن سكري الحمل وحماية الأم وجنينها، والتحكم به قبل أن يسبب أية مضاعفات خطيرة، ويمكن تحقيق ذلك باتباع عادات صحية والمتابعة الطبية الدقيقة، مع الالتزام بتعليمات الطبيب لجعل الحمل أكثر أمانًا.