يعد حمض الفوليك أو ما يُعرف بفيتامين B9 من أهم العناصر الغذائية التي توصي بها جميع الهيئات الطبية العالمية في فترات ما قبل الحمل وأثناءه، وعلى الرغم من أنه ارتباط اسمه في أذهان الكثيرين بالوقاية من تشوهات الجنين، إلا أن أهميته أوسع بكثير وتمتد لتشمل صحة الأم نفسها ونمو الجنين طوال فترة الحمل.
ويتساءل العديد من الحوامل عن مدى استمرار أهمية حمض الفوليك بعد الأسبوع الثاني عشر من الحمل، لذا سنناقش في هذا المقال أهمية حمض الفوليك للحامل، ونوضح لكِ كل التساؤلات من منظور علمي، مع استعراض الجرعات الموصى بها ومصادره الغذائية والمخاطر المترتبة على نقصه وأهم النصائح العملية التي تساعد على استقرار حملك.
ما هو حمض الفوليك؟
حمض الفوليك هو نسخة مصنعة للفولات (فيتامين B9) الموجود في الطعام، ويتم تخليق حمض الفوليك لاستخدامه في المكملات الغذائية والأطعمة المدعَّمة.
يتميز حمض الفوليك باستقراره عند المعالجة والتخزين مقارنة بالفولات؛ لذلك يُضاف إلى المكملات والمعلبات لضمان وصول كمية كافية إلى الجسم، ويتحول عند دخوله الجسم إلى الفولات النشط لاستخدامه في النمو وتكاثر الخلايا.
يساعد حمض الفوليك على تصنيع الحمض النووي (DNA) وتجديد الخلايا، وهو أمر حيوي في بناء الأنسجة سريعة النمو مثل الجنين وأنسجة المشيمة، كما يساهم في إنتاج كريات الدم الحمراء الناضجة، والوقاية من بعض أنواع الأنيميا.
تزداد الحاجة إلى حمض الفوليك بشكل ملحوظ أثناء الحمل؛ خاصةً في الأشهر الثلاثة الأولى، إذ يساعد على دعم نمو الجنين السريع وتحسين نقل الأكسجين إلى الأم والجنين.
فوائد حمض الفوليك في الثلث الأول من الحمل
يُعد حمض الفوليك من أهم المكملات التي توصف للحامل قبل حدوث الحمل أو عند تأكيده مباشرة؛ إذ تعد الفترة الأولى من الحمل من أهم الفترات التي تستلزم تناول حمض الفوليك، ومن أبرز فوائده:
- منع تشوهات الأنبوب العصبي
الأنبوب العصبي هو الجزء المسؤول عن تكوين الدماغ والحبل الشوكي في الأسابيع الأولى من الحمل، غالبًا قبل أن تدرك الأم حملها؛ لذا فإن تناول حمض الفوليك بانتظام قبل وأثناء الأسابيع الأولى يقلل بشكل كبير من خطر تشوهات الأنبوب العصبي.
توصي الهيئات الطبية بتناول الحامل 400 – 600 ميكروجرام من حمض الفوليك يوميًا قبل الحمل وخلال الاثني عشر أسبوعًا الأولى على الأقل.
- تقليل خطر الإجهاض والولادة المبكرة
تربط بعض الدراسات بين حمض الفوليك وانخفاض بعض مضاعفات الحمل مثل الإجهاض المبكر أو الولادة المبكرة، وذلك لدوره في دعم النمو الجنيني والمشيمي.
- دعم تكوين المشيمة ونمو الخلايا
يساعد حمض الفوليك على تطور المشيمة ونمو أنسجتها بسرعة متزايدة دون عيوب كبيرة.
هل تقل أهمية حمض الفوليك بعد الأسبوع الثاني عشر؟
تقل أهمية حمض الفوليك الوقائية للأنبوب العصبي بعد الأسبوع الثاني عشر لكنها لا تختفي كليًا، للأسباب التالية:
- يغلق الأنبوب العصبي تقريبًا بنهاية الأسبوع الرابع إلى السادس من الحمل، وبالتالي فإن الفائدة الأساسية لحمض الفوليك في الوقاية من تشوهات الأنبوب العصبي تكون في المراحل المبكرة جدًا.
- يتجاوز الجنين المرحلة الحرجة من تطور الأنبوب العصبي بعد الأسبوع الثاني عشر، وبالتالي تنخفض فائدته الوقائية.
بينما يستمر دور حمض الفوليك التدعيمي، من خلال:
- دعم النمو الخلوي
يواصل الجنين نموه بشكل سريع في الثلث الثاني والثالث، وهو ما يتطلب وجود العناصر المساعدة في تصنيع الحمض النووي والتكاثر الخلوي، ومنها حمض الفوليك.
- وقاية الأم من الأنيميا
نظرًا لدوره في تكوين خلايا الدم الحمراء الناضجة؛ قد يؤدي نقصه إلى إصابة الأم بفقر الدم، وهو أمر شائع في الحمل.
- تحسين صحة الأوعية الدموية
يساعد الفولات في تقليل تركيز الحمض الأميني الهوموسيستين في الدم، الذي يعد ارتفاعه أحد العوامل التي تزيد من مخاطر أمراض الأوعية الدموية.
الجرعة المناسبة أثناء الحمل
تقدر الجرعة العامة الموصى بها للنساء الحوامل بحوالي 600 ميكروجرام يوميًا، وقد يوصي الطبيب بجرعة أعلى (حوالي 4 إلى 5 ملجم يوميًا) لفترة مؤقتة في حالات محددة، مثل:
- وجود تاريخ عائلي لتشوهات الأنبوب العصبي.
- استخدام أدوية مضادة للتشنج.
- حالات متعلقة بالجينات كطفرة MTHFR.
لا يُنصح بتناول الجرعات العالية جدًا دون إشراف طبي، لأن ذلك قد يؤدي إلى اختفاء أعراض نقص فيتامين B12 وغيرها من المشكلات.
مصادر حمض الفوليك
تتنوع مصادر حمض الفوليك بين مصادر طبيعية وأخرى صناعية (المكملات الغذائية) كما يلي:
المصادر الطبيعية (الفولات)
توفر نسبة جيدة، ولكنها غالبًا لا تفي بالاحتياجات اليومية للحمل؛ مما يستدعي استخدام المكملات بجانب مصادر الفولات الطبيعية التالية:
- الخضروات الورقية الداكنة، مثل السبانخ والكرنب والبروكلي.
- البقوليات، مثل العدس والفول والحمص.
- الفواكه الحمضية، مثل البرتقال والجريب فروت.
- الحبوب الكاملة والخبز المدعم والحبوب المدعمة.
- كبد البقر كمصدر غني بالفولات، مع تجنب الإفراط في تناوله.
- التمر.
المكملات (حمض الفوليك الصناعي)
يدخل حمض الفوليك غالبًا في تركيبة معظم فيتامينات الحمل (prenatal vitamins)، وينصح بتناوله على معدة فارغة لتحسين امتصاصه، كما يمكنك تناول كوبًا من عصير البرتقال أو الليمون الغني بفيتامين C لزيادة الامتصاص.
يُفضل اختيار مكملات خاضعة لمواصفات طبية معروفة، ومتابعة الطبيب لمعرفة الجرعة المناسبة.
مخاطر نقص حمض الفوليك
يمكن أن يؤدي نقص حمض الفوليك أثناء الحمل إلى العديد من المضاعفات الصحية، مثل:
- تشوهات في الحبل الشوكي أو الدماغ.
- فقر الدم كبير الخلايا عند الأم، ومن أعراضه التعب وضيق النفس وشحوب الوجه.
- مضاعفات الحمل الأخرى، وتشمل الولادة المبكرة، وتأخر النمو داخل الرحم، أو زيادة خطر الإجهاض في بعض الحالات.
- ارتفاع مستويات الهوموسيستين.
مخاطر الإفراط في حمض الفوليك
نعم بالتأكيد، قد يؤدي تجاوز الجرعة القصوى الموصى بها (عادةً أكثر من 1000 ميكروجرام يوميًا بدون إشراف طبي) إلى اختفاء أعراض نقص فيتامين B12 وتأخر تشخيصه.
وقد يسبب تناول حمض الفوليك أحيانًا اضطرابات هضمية بسيطة، مثل الغثيان أو الانتفاخ أو ضعف امتصاص العناصر الغذائية لدى بعض الأشخاص.
كذلك تشير بعض الدراسات إلى أن تراكم حمض الفوليك غير النشط في الدم قد تكون له آثار غير واضحة تمامًا حتى الآن، لذلك يُنصح بعدم تناوله بجرعات مفرطة أو لفترات طويلة دون إشراف طبي.
كيف تستخدمين حمض الفوليك بأمان؟
إليك بعض النصائح الهامة التي تساعدك على الاستفادة من حمض الفوليك دون التعرض لأية مخاطر:
- لا تتوقفي عن تناوله فجأة بعد الأسبوع الثاني عشر دون استشارة الطبيب.
- راجعي طبيبك بشكل دوري لقياس مستويات الفولات أو الحديد أو فقر الدم إذا لزم الأمر.
- اهتمي بتنويع الطعام وإدخال مصادر الفولات الطبيعية بانتظام.
- اتبعي توصيات الطبيب بدقة.
- أخبري طبيبك إذا كنتِ تتناولين أدوية قد تتداخل مع امتصاص الفولات، مثل بعض أدوية الصرع أو الميثوتريكسات.
في الختام.. يساعد حمض الفوليك على دعم حملكِ وجنينك، خاصةً في المراحل المبكرة، إذ يحمي الجنين من تشوهات الأنبوب العصبي ومضاعفات الحمل المختلفة، وبالرغم من انخفاض دوره الوقائي بعد الأسبوع الثاني عشر، يظل دوره التدعيمي قائمًا إلى نهاية الحمل، لذلك يُنصح بتناوله وفقًا للجرعة الموصى بها، مع الاعتماد على الأطعمة الغنية بالفولات، وعدم التوقف عنه دون استشارة الطبيب.