تحلم كل أم باللحظة التي تسمع فيها نبض جنينها لأول مرة، وهنا تتأكد أن بداخلها حياة تنبض بالفعل، ولكن ما يحدث أثناء تطور القلب هو رحلة دقيقة ومعقدة، تبدأ بخلايا بسيطة وتنتهي بقلب نابض.
سنغوص معًا في هذا المقال لمعرفة كيفية تكوّن القلب الجنيني، ومتى يبدأ النبض، وكيف يُرصد لأول مرة، وما التفاصيل التي يجب أن تعرفها كل أم عن هذا التطور العظيم.
كيف يبدأ لقلب في التكوّن؟
رحلة تكون القلب رحلة دقيقة وحساسة، تبدأ من مجرد أنبوب قلبي وتصل إلى قلب كامل ونابض، يمنح الحياة لضيف جديد ينمو بداخلك، فدعينا نتابع هذه الرحلة المذهلة معًا.
يبدأ الأمر باندماج خلايا متخصصة تدعى “الخلايا القلبية الأولية”، لتكوين أنبوب قلبي بسيط يمر بثلاث عمليات هي: الانحناء والالتفاف والتشكل إلى مكونات أولية للبطينين والأذينين، والصمامات لاحقًا، ويحدث ذلك تقريبًا في الأسبوع الثالث والرابع من عمر الجنين..
وتبدأ الأنسجة القلبية بالانقباض والنبض تقريبًا في الأسبوع الخامس إلى السادس، حتى قبل تكوّن جميع مكونات القلب بشكل نهائي، بينما تبدأ الصمامات الفاصلة بين الأذينين والبطينين بالتكون بحلول الأسبوع السابع أو الثامن.
كما يبدأ تكوّن الأوعية الكبيرة مثل الشريان الأورطي والشريان الرئوي في الأسبوع الثامن لتكتمل تقريبًا هي والصمامات في الأسبوع العاشر، وبالتالي يعد البناء الأساسي للقلب مكتملًا تقريبًا بحلول الأسبوع العاشر، مع استمرار نموه وتطوره طوال الحمل.
متى يُرصد النبض لأول مرة؟
الرصد المبكر عبر السونار
يُرصد النبض في المراحل المبكرة عبر الموجات فوق الصوتية، غالبًا باستخدام السونار المهبلي لقربه من الجنين؛ لذا يوفر دقة أعلى في النتائج في المراحل المبكرة.
ويمكن عادةً رؤية النشاط القلبي أو نبض القلب الأولي في الأسبوع الخامس أو السادس من الحمل، وقد يتأخر رصد النبض الفعلي في بعض الأحيان وفقًا لعدة عوامل تتعلق بالحمل أو الجهاز المستخدم.
رصد النبض باستخدام الدوبلر أو السونار البطني
لا تستطيع أجهزة الدوبلر اليدوية (التي يضعها الطبيب على بطن الحامل) غالبًا التقاط النبض إلا بين الأسبوع العاشر إلى الثاني عشر في معظم الحالات، وإذا لم يسمع النبض في تلك الفترة، فهذا لا يعني بالضرورة وجود خطأ.
ما هو المعدل الطبيعي لنبض الجنين؟
يكون نبض الجنين عادةً بين 110 إلى 160 نبضة في الدقيقة في حالات الحمل الطبيعية، وقد يكون النبض أسرع في المراحل المبكرة، فقد يصل النبض إلى نحو 170 نبضة تقريبًا في الأسابيع الـ 9‑10، قبل أن يبدأ بالتباطؤ تدريجيًا مع تقدّم الحمل.
ويعد تذبذب النبض – تغيّره قليلاً من نبضة لأخرى – دليلًا على صحة الجنين الجيدة؛ وأن النظام العصبي للجنين يعمل بفاعلية.
أهم العوامل التي تؤثر في رصد النبض أو تأخره
هناك العديد من العوامل التي تؤثر على رصد النبض مبكرًا أو تأخره، وتشمل:
دقة حساب عمر الحمل
إذا تم حساب عمر الحمل بشكل خاطئ (سواءً تاريخ الإباضة أو آخر موعد للدورة)، قد يتوقع الطبيب ظهور النبض في وقت مبكر جدًا، وقد يصعب اكتشاف الأمر لعدم تكون الجنين بوضوح في تلك المرحلة بعد.
موضع الجنين واتجاهه
إذا كان الجنين مائلًا أو كان وجهه بعيدًا عن سطح البطن، حيث يوضع السونار أو الدوبلر، قد يصعب التقاط نبضه.
سمك جدار البطن وكمية الدهون
كلما زاد سمك جدار البطن أو كمية الدهون فيه، صَعُب رصد نبض الجنين بدقة.
كفاءة الجهاز المستخدم ومهارة الفني
استخدام سونار قديم أو ضعف جودة صورته أو مهارة الفاحص؛ تؤثر كثيرًا على دقة سماع النبض.
نوع الجنين
يُشاع أحيانًا أن نوع الجنين قد يؤثر على النبض، ولكن لم تثبت الدراسات وجود علاقة مؤكدة حتى الآن.
ما دلالة سماع النبض أو غيابه في هذه المرحلة؟
سماع النبض لأول مرة هو مؤشر طبي هام على تطور الجنين واستقرار الحمل، وإليك ما يعنيه سماع النبض من عدمه:
ماذا يعني سماع نبض الجنين؟
يُعد سماع النبض علامة إيجابية على استقرار الحمل وتطور الجنين بشكل سليم، كما يمنح الأم شعورًا بالطمأنينة، وفي الكثير من الحالات يقلل وجود النبض من مخاطر الإجهاض مقارنة بالحالات التي لا يظهر فيها النبض في فحص الموجات الصوتية.
ماذا لو لم يُسمع النبض في تلك المرحلة؟
عدم سماع النبض في الأسابيع الأولى لا يعني بالضرورة وجود مشكلة، فقد يرجع ذلك إلى صغر عمر الحمل أكثر من المتوقع أو لسبب فني في زاوية الجهاز أو موقع الجنين.
بينما في الحالات التي لم يتمكن فيها الطبيب من سماع النبض في مرحلة متقدمة من الحمل (بحلول الأسبوع التاسع أو العاشر)، يُوصى غالبًا بإعادة الفحص بعد أسبوع أو باستخدام أجهزة متقدمة.
إذا اشتبه الطبيب بوجود مشكلات أو تشوهات بالقلب، قد يطلب إجراء تخطيط صدى القلب الجنيني في مراكز متخصصة؛ لفحص القلب ووظائفه بدقة.
الجانب العاطفي والنفسي لسماع نبض الجنين
بالتأكيد لسماع النبض أول مرة بُعد نفسي كبير إلى جانب أهميته الطبية، ويتضمن التالي:
- دعم الاتصال العاطفي بين الأم والجنين.
- يعزز شعور الأم بأن الحمل واقعي، ويوجد جنين حقيقي داخلها.
- لحظة فارقة تشاركها الأم غالبًا مع شريكها وعائلتها، وتبقى محفورة في ذاكرتها للأبد.
وغالبًا ما تكون مشاركة الأمهات لتجاربهن مع هذه اللحظة جزءًا مهمًا من الدعم النفسي.
كيف يستمر تقييم القلب؟
لا يقتصر تقييم القلب بعد الثلث الأول على سماع النبض فقط، بل يُجري الطبيب فحص التشريح الجنيني في الأسابيع 18‑22؛ لفحص بنية القلب بالكامل.
وكما ذكرنا سابقًا، إذا اشتبه الطبيب بوجود تشوهات بالقلب، يصبح فحص تخطيط صدى القلب الجنيني المفصل من المختصين الطريقة المثلى للتقييم الدقيق.
يراقب نبض الجنين أثناء الولادة باستخدام عدة اختبارات، مثل اختبار عدم الإجهاد، وهو فحص يراقب حالة الجنين في وضع الراحة دون تعريضه لأي تحفيز؛ لقياس حركته ونبضه وانقباضات الرحم.
كذلك قد يجري الطبيب المراقبة الداخلية للنبض إذا لم تكن المراقبة الخارجية كافية أو الشك بتراجع نبض الجنين، من خلال إدخال سلك رفيع عبر عنق الرحم بعد انفتاحه وتثبيته على فروة رأس الجنين؛ وبالتالي يمكن الحصول على قراءة دقيقة لنبض الجنين والتأكد من تحمله لانقباضات الرحم أثناء المخاض، مما يستدعي تدخلًا سريعًا في الحالات التالية:
- عدم استجابة النبض لحركة الجنين أو انقباضات الرحم.
- بطء النبض.
- وجود علامات تشير إلى نقص الأكسجين لدى الجنين.
المخاطر التي قد تشير إلى عدم تطور القلب بشكل طبيعي
هناك عدة حالات قد تشير إلى وجود خلل في تطور القلب، ومنها:
- وجود فتحة بين البطينين: مشكلة شائعة تنتج عن عدم اكتمال الجدار الفاصل بين البطينين؛ مما يؤدي إلى مرور الدم بينهما، وقد ينتقل إلى الرئتين إذا كانت الفتحة كبيرة، مما يسبب ضغطًا زائدًا على القلب والرئتين، وقد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم الرئوي أو فشل قلبي.
- ضيق الشريان الرئوي: يعيق تدفق الدم من البطين الأيمن إلى الرئتين؛ مما يزيد المقاومة على الجانب الأيمن للقلب.
هل يمكن سماع نبض الجنين في المنزل؟
يمكن استخدام أجهزة الدوبلر المحمولة في المنزل لرصد نبض الجنين؛ مما يمنح الأم شعورًا بالطمأنينة، ويمكن استخدامه بعد الأسبوع الـ 12 فقط تحت إشراف الطبيب.
عادةً ما يحذر الأطباء من الإفراط في استخدامها أو استخدامها دون إشراف، وذلك للأسباب التالية:
- الاعتماد عليها وتخطي زيارة الطبيب أو التأخر عن مواعيد المتابعة الدورية؛ وبالتالي عدم تقييم مؤشرات أخرى مهمة لنمو الجنين.
- تسخين الأنسجة أو تكوين فقاعات صغيرة داخل الأنسجة نتيجة الاستخدام المفرط.
- التباس الأمر لدى الأم، فقد تسمع نبضها أو نبض أحد الأوعية الدموية بالرحم وتظنه نبض الجنين؛ لعدم المعرفة الطبية الكافية.
- الأجهزة المنزلية ليست حساسة بالشكل الكافي؛ لذا قد لا تتمكن من رصد النبض مبكرًا، مما قد يثير قلقًا غير مبرر لدى الأم.
في الختام…
سماع نبض الجنين لأول مرة ليس مجرد خطوة طبية، بل هو لحظة تخلد بذاكرة كل أم وتؤكد لها بأن هناك حياة تنمو بداخلها، وغيابه المبكر لا يعني بالضرورة وجود مشكلة، فهناك عوامل كثيرة تؤثر على رصده، فلا تقلقي ودعي طبيبك يقرر الأمر.